خليل الصفدي
354
أعيان العصر وأعوان النصر
وأوصى أن يدفن عند أبيه بتربة الكامل فما مكن ، ودفن بتربة جدتهم أم الصالح ، ووالدته هي ربيعة خاتون بنت السلطان الملك الكامل محمّد بن السلطان الملك العادل أبي بكر . وكان الملك المنصور صاحب حماة ابن خالته ، وكان الملك العزيز صاحب حلب مزوجا بخالته ، كان أولا من أمراء دمشق ، ثم نقل إلى حماة ، ثم أعيد إلى دمشق ، ولما حضر إليها اجتمع بأصحابه ، فسألوه عن حماه ، فقال : أنا ما كنت في حماه ، بل كنت في « الأزد » - يعني بذلك أن الملك المؤيد ابن خالته صاحب حماة يتكلم بالتركي - . وعاشر الأفرم ونادمه ، وأحبه كثيرا وقرّبه ، وكان لا يصبر عنه ، وكان يوما هو والشيخ صدر الدين بن الوكيل عند الأمير جمال الدين الأفرم ، وقد أحضر لهم على بكرة سخاتير صنعها لهم ، وتأنّق الطباخون بها ، فقال الملك الكامل : يا شيخ ، أنا أحب السخاتير ، فقال صدر الدين : حب الوطن من الإيمان ، فانتكى الكامل منها ، وكان قد تقرر بينهم أنه من سبق ، وحضر إلى حضرة الأفرم ، يركب الذي يجيء بعده ، ويدور في المجلس ، فتأخّر الملك الكامل تلك الليلة ، إلى أن تحقق أن صدر الدين قد سبقه ، وجاء بعده فقال الأفرم : أيش أخّرك إلى هذا الوقت ! قم يا شيخ اركبه ، فقال : واللّه طيب إن غبنا ما تذكرونا ، وإن جئنا تحملون علينا الكلاب ! فقال صدر الدين : يا خوند ، ما يضيع له شي استوفاها . قلت : والشيخ صدر الدين أخذ تنديبته من قول نصير الدين الحمامي ، أنشدني من لفظه شيخنا الحافظ فتح الدين اليعمري ، قال : أنشدني من لفظه لنفسه النصير الحمامي : رأيت شخصا آكلا كرشة * وهو أخو ذوق وفيه فطن وقال ما زلت محبّا لها * فقلت من الإيمان حبّ الوطن ونقلت من خط الشيخ شهاب الدين أحمد بن غانم ، وأنشد فيه إجازة : ( الخفيف ) أيّها اللائمي لأكلي كروشا * أتقنوها في غاية الإتقان لا تلمني على الكروش فحبّي * وطني من دلائل الإيمان وقيل له : إن هلال رمضان ثبت البارحة ، فقال : من رآه ؟ فقالوا : مجد الدين الميت ، فقال : هذا ميت وفضولي ، ويخلط شعبان في رمضان . وحضر عند الصّاحب شمس الدين ليلة ، فلما أحضرت الحلوى ، وجاء البابا بالفوطة والماوردية ، ورشّ على يده فأخذ الماورد ، ومسح به عينيه ، وقال : الحلوى رأيتها بعيني ، وأما بيدي فما لمستها ؛ لأن الصّاحب كان قد أشغله بالحديث عنه حتى فرغت ، فضحك